حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
199
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الأشاعرة : لو لم يكن الإيمان والكفر بخلق اللّه تعالى لم يكن لالتماس التبعيد عن الكفر معنى . وحمله المعتزلة على منح الألطاف . أما قوله : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً فاتفقوا على أن نسبة الإضلال إليهن مجاز لأنهن جمادات فهو كقولهم « فتنتهم الدنيا وغرتهم » أي صارت سببا للفتنة والاغترار بها فَمَنْ تَبِعَنِي بقي على الملة الحنيفية فَإِنَّهُ مِنِّي أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال السدي : معناه ومن عصاني ثم تاب . وقيل : إن هذا الدعاء كان قبل أن يعلم أن اللّه لا يغفر الشرك . وقيل : المراد أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإسلام . وقيل : أراد أن يمهلهم حتى يتوبوا . وقيل : ومن عصاني فيما دون الشرك فاستدل الأشاعرة بإطلاقه من غير اشتراط التوبة على أنه شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر ، وإذا ثبت هذا في حق إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم ثبت في حق نبينا بالطريق الأولى . ثم أراد أن يعطف اللّه بدعائه قلوب الناس كلهم أو جلهم على إسماعيل ومن ولد منه بمكة وأن يرزقهم من الثمرات فمهد لذلك مقدمة فقال : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي أي بعضهم بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ أي لم يكن فيه شيء من زرع قط كقوله : قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [ الزمر : 28 ] أي لا اعوجاج فيه أصلا ولم يوجد ذلك فيه في زمن من الأزمان . وقد سبق في سورة البقرة قصة مجيء إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم بإسماعيل وأمه هاجر إلى هنالك . وفي قوله : عند بيتك الحرام دليل على أنه دعا هذه الدعوة بعد بناء البيت لا في حين مجيئه بهما . ومعنى كون البيت محرما أن اللّه حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرما لأجل حرمته ، وأنه لم يزل ممتنعا عزيزا يهابه كل جبار كالشئ المحرم الذي حقه أن يجتنب . وقيل : سمي محرما لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقا لأنه أعتق منه فلم يستول عليه ، أو حرم على المكلفين أن يقربوه بالدماء والأقذار ، أو لأنه أمر الصائرون إليه يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ أي ما أسكنتهم بهذا الوادي القفر إلا لإقامة الصلاة عند البيت وعمارته بالذكر والطواف . فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ « من » للتبعيض أي أفئدة من أفئدة الناس . قال مجاهد : لو قال أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند . وعن سعيد بن جبير : لو قال أفئدة الناس لحجه اليهود والنصارى والمجوس ولكنه أراد أفئدة المسلمين . وجوز في الكشاف أن يكون « من » للابتداء كقولك « القلب مني سقيم » . وعلى هذا فإنما يحصل التبعيض من تنكير أفئدة فكأنه قيل : أفئدة ناس . ومعنى تَهْوِي تسرع إِلَيْهِمْ وتطير نحوهم شوقا ونزاعا . وقيل : تنحط وتنحدر . الأصمعي : هوى يهوي هويا